صباح الخير يا غزة، شو الأخبار؟
مقالات

صباح الخير يا غزة، شو الأخبار؟

وأخيرا، عادت لغتي إلى عافيتها بعد أن مرضت مع جحيم غزة، أصيبت بالتهاب سردي حاد، حسب تشخيص أطباء الإبداع الأدبي، قعدت في مشفى اللغات سنة وبضعة أشهر، وما إن انقشعت المجزرة في غزة حتى جاءني طبيب الخيال فرحا، وقد كنت متمددا على سرير المجاز، قال: دعني أفحص صحة سردك نصف ساعة وهو يفحص إلى أن صاح: رئتاك اللغويتان نظيفتان الآن، من صديد العجز والإحباط، هيا انهض واكتب لنا قصصا مجنونة وجميلة.

سنة ونصف السنة تقريبا، لم أكتب أدبا، كل ما كتبته خواطر ولدت ميتة، ومقالات صحافية فيها من التوثيق والرسائل واللغة الباردة ما يقتل الجمال، ويحبس الدراما، ويطرد الفن، وكنت كلما حاولت أن أكتب قصة خيالية قصيرة، مستلهما حكايات جحيم غزة المفتوح كنت أقول لنفسي: كيف سأبتكر خيالا في عالم خرق سقف الخيال أميالا من المسافات؟ كيف سأمارس المجاز في مدينة المجاز الكبير (غزة).

لم أصدق أن ما حدث في غزة كان واقعا، ما زلت أظن أن احدنا وهو وغد تماما حلم بالإبادة وإفناء العائلات عن بكرة سجلاتهم المدنية ومحو البيوت، وحرق الأطفال، وأنه حلم أننا نحلم  مثله ولأنه تناول عشاء ثقيلا تأخر في النهوض من نومه.

الحيوان الحالم استيقظ قبل قليل، هكذا أحب أن أرى الأشياء، أن العالم بخير ولا يمكن أن يرتكب أحد ما إبادة مثل هذه دون أن يوقفه أحد، لكني كنت مخطئا تماما، فلا حالم ولا حيوان ولا نوم ولا عشاء ثقيل، ثمة جريمة عصر مروعة ارتكبت ضد الأطفال والنساء في غزة، راح ضحيتها الآلاف، وثمة فنانون وشعراء وقصاصون وروائيون ومسرحيون، فلسطينيون انهاروا أمام هذه الإبادة، وتوقفوا عن كونهم فنانين وأدباء، وتحولوا إلى مواطنين عاديين متأثرين جدا بما يحدث، يتواصلون مع أصحابهم في غزة، يعبئون لهم أرصدة الجوال، أو يرسلون لهم حوالات أو يتواصلون مع مبدعي غزة الشبان والأطفال، عبر الواتس لعمل ورشات كتابة ورسم ومسرح.

مع بداية المجزرة، كنت اتصل مع أصحابي في غزة عبر الجوال، وأفاجئهم بسؤال تبين أنه عجيب ولا ينتمي إلى واقعهم: "شو أخبارهم، كيف الحال، كيف اصبحتوا"؟ كان الصمت يسود، وكنت أظن أن خللا أصاب شبكة الخطوط، وسرعان ما افهم، أن المشكلة في صيغة السؤال وفي دلالته، إذ كيف تسأل شخصا يموت الآن أو من المحتمل أن يموت بعد دقائق كيف حالك؟.

الآن يا غزة، أستطيع بعد أن عادت الدلالات إلى لغتي أن أنادي على أصحابي: طلال أبو شاويش وعمر حمش ويسري الغول واكرم صوراني وحسام معروف وعثمان حسين وخالد شاهين، ورزق المزعنن وشروق دغمش وغيرهم: شو أخباركم؟ كيف صحتكم؟ كيف أصبحتم؟. ماذا ستفعلون اليوم؟.

حمدا لله على سلامتك غزة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.