حـروب الـعـشـريـة الـثـالـثـة (15)
مقالات

حـروب الـعـشـريـة الـثـالـثـة (15)

15 شهراً من القتل والقتال، في حرب لا تعرف سقوفاً.
وعلى الرغم من صعوبة الجزم، في الوقت الحاضر، بنهاية أكيدة للحرب، وتشخيص تداعياتها القريبة والبعيدة، إلا أن الكلام عن النصر والهزيمة يحتل متن السجال العام.

هذا أمر إنساني ومفهوم، بطبيعة الحال، ولكن في الدوافع السياسية والأيديولوجية، التي تحتم فرضه على متن السجال، ما يُسهم في تهميش أسئلة أكثر أهمية، ومنها: لماذا طالت الحرب، ولماذا تجاوزت السقوف والخطوط الحمر، ولماذا تحوّلت من صراع في فلسطين وعليها، إلى صراع في الشرق الأوسط وعليه؟ هذه هي الأسئلة الجديرة باحتلال متن السجال العام، وهي المرشحة لا لتفسير الحرب وحسب، بل والإسهام في تشخيص تداعياتها القريبة والبعيدة، أيضاً.

من الحماقة، بالتأكيد، حصر إطالة أمد الحرب في سبب واحد.

ومن الأسلم التفكير في اجتماع جملة من العوامل الموضوعية والشخصية. اختزل بنيامين نتنياهو أهداف الحرب، أي ما يشكل عواملها الموضوعية، ويفسّر دوافعها في: تقويض حكم حماس في غزة، واسترداد الرهائن، وضمان ألا تشكّل غزة تهديداً أمنياً في قادم الأيام.

وإذا سلّمنا بصفة مؤقتة، ولأسباب سجالية، بأهداف كهذه، فمن الصعب استبعاد الدوافع الشخصية لرئيس الحكومة الإسرائيلية نفسه. ولن نجد، على الأرجح، شخصاً واحداً من مراقبي مشهد الحرب في إسرائيل والعالم، وقد تجاهل وجود مصلحة شخصية للمذكور في إطالة أمد الحرب، سواء للإفلات من السجن، أو لمحو وصمة وعار السابع من أكتوبر 2023.

لذا، لن تتوفر إمكانية جدية لتفسير إطالة أمد الحرب إلا على خلفية اجتماع دوافع موضوعية، وشخصية، معاً وفي آن واحد.

ومع ذلك، فهذه نصف الحقيقة، أما نصفها الثاني، فيتمثل في أهداف غير مُعلنة، لعل دافع الانتقام أهمها وأبرزها.

سيكون لدينا الوقت الكافي لتحليل صدمة السابع من أكتوبر. ويكفي القول، الآن، إن دافع الانتقام قد حوّل غزة إلى وسيلة إيضاح لقدرة القوّة الإسرائيلية على البطش، إذا أخرجها الغضب عن طورها.

ومع هذا في البال، إلا أن دافع الانتقام لا يعقلن نفسه بإشباع رغبات وحاجات حارقة وحسب، بل بالعمل كقناع، أو قشرة خارجية، لدوافع وحسابات مادية، أيضاً.

وقد تجلى هذه الأمر فيما يشبه عودة للمسكوت عنه في مسألة الطرد القسري لأعداد كبيرة من سكّان غزة إلى صحراء سيناء المصرية، وفي مسألة اقتطاع أجزاء حيوية من القطاع وضمها لإسرائيل، وعودة المستوطنين والاستيطان.

لن يشكو أحد ندرة الشواهد في موضوع الطرد، والاستيلاء على الأرض، وعودة الاستيطان. وعلى الرغم من وجود شواهد تدل على وجود عراقيل اعترضت، وتعترض، تحقيق أمور كهذه، إلا أن استبعادها بصفة نهائية من المشهد يبدو، في الوقت الحالي، سابقاً لأوانه.

ومن الضروري، في سياق كهذا، ألا نفكر في مسألة الطرد والاستيلاء على الأرض، وعودة الاستيطان، بالطريقة نفسها التي نتكلّم بها عن أهداف مُعلنة كتقويض حكم حماس، واستعادة الرهائن، وضمان ألا تشكّل غزة تهديداً أمنياً في المستقبل. فتحقيق قائمة الأهداف المُعلنة يعتمد على حسابات في الميدان، وعلى رهانات تحسمها قوّة النيران.

أما قائمة الأهداف غير المعلنة، والعائدة في صورة مسكوت عنه، فيعتمد تحقيقها على علاقات وتفاهمات إقليمية ودولية، وعلى الدبلوماسية لا على قوّة النيران في المقام الأوّل.

وفي هذه النقطة، بالذات، ما يأخذنا إلى الفكرة الختامية في معالجة اليوم.

فلا يمكن تشخيص، وفهم، الحرب التي طحنت البشر والحجر في غزة، وما اجتمع فيها من أهداف معلنة ومُضمرة، دون ترتيب صارم، بالضرورة، وبلا وضوح كامل في أذهان صنّاع القرار الإسرائيليين، على امتداد هذه الأشهر الطويلة، بعيداً عن حقيقة إدراك الإسرائيليين، وحتى قبل أن يطلقوا طلقة واحدة، أن الفلسطينيين وحدهم، وأن «الغطاء العربي»، الذي شكّل شبكة أمان سياسية ودبلوماسية للفلسطينيين، في حروب سابقة، ولو من «باب رفع العتب» لم يعد قائماً.

والأهم من هذا كله، وفي مفارقة تليق بتراجيديا إغريقية صافية، أن «سلام إبراهيم» صار شبكة أمان، بالمعنى السياسي والدبلوماسي، للإسرائيليين أنفسهم هذه المرّة.

لذا، لم يكن من قبيل الصدفة أن الدول التي تقدمت بشكوى إلى محكمة الجنايات الدولية، للتحقيق في جرائم حرب ارتكبها الإسرائيليون في غزة، ومارست أنشطة تضامنية في محافل دولية مختلفة، لم تكن عربية.

لا نحتاج، في معرض التعليق على مفارقة من عيار إغريقي، فعلاً، إلى أكثر مما أورده بوب وودورد في كتابه المعنون «الحرب» (أكتوبر 2024) عن أوّل زيارة قام بها وزير الخارجية الأميركي، توني بلينكن، إلى الشرق الأوسط، بعد اندلاع الحرب.

ثمة الكثير من التفاصيل، التي لا يعنينا سردها، والتي يمكن توظيفها للتدليل على حقيقة أن ما سمعه بلينكن، كان هو، بالضبط، ما سبق وسمعه الإسرائيليون من حلفائهم في الإقليم عن مشروعية حربهم، وضرورة تحقيق أهدافها في أسرع وقت ممكن.

وبناء عليه، لا معنى لفهم إطالة أمد الحرب بعيداً، وفي معزل، عن التداعيات المحتملة لكل ما ذكرنا حتى الآن. ففي سياق كهذا، دون غيره، يمكن التفكير في حسابات موضوعية وشخصية أتاحت للإسرائيليين، وسوّغت لهم، الرهان على عامل الوقت، لتجريب سيناريوهات مختلفة، واختبار فرضيات مختلفة. فاصل ونواصل.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.