قراءة نقدية في استعراض حماس للأسرى الإسرائيليين
مقالات

قراءة نقدية في استعراض حماس للأسرى الإسرائيليين


أثار استعراض حركة حماس، ومعها حركة الجهاد الإسلامي، في عملية تبادل الأسرى الإسرائيليين في الثلاثة دفعات إثر التوقيع على اتفاق الهدنة للمرحلة الأولى اعجاب الكثيرين من المواطنين الفلسطينيين وغيرهم وحتى في اسرائيل؛ خاصة القدرة على الترتيب والتنظيم والطريقة إثر التوقعات بتدمير البنية القيادية لحركة حماس وجهازها العسكري بشكل خاص بعد خمسة عشر شهراً من الحرب والدمار الهائل الذي لحق بقطاع غزة وفقاً لتصريحات الحكومة والإسرائيلية وقادة جيشها. 
يهدف استعراض حركة حماس وجهازها العسكري أثناء تبادل الأسرى في الدفعات الثالثة الفارطة، على ما يبدو، إلى اظهار الندية في التعامل مع الحكومة الإسرائيلية وكأنها حكومة قائمة تجري تبادل للأسرى مع حكومة أخرى كما هو واضح في الإجراءات الإعلانية، وإظهار أنّ قوتها العسكرية وقدرتها على السيطرة والحكم في قطاع غزة ما زالت قائمة ولديها إمكانية الاستمرار في المواجهة العسكرية، وإظهار أنّها لم تفقد البيئة الحاضنة لها وشعبيتها ما زالت قائمة في قطاع غزة خاصة في الاستعراض الأخير في مدينة خانيونس رغم الدمار الهائل الذي أحدثته الحرب. هذا الأمر لا يعني بالمطلق أن قدرات حركة حماس والفصائل الأخرى لم تتضرر في هذه الحرب أو أنّ قوتها كما كانت قبل السادس من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
في ظني أن هذه الاستعراضات أراضت حركة حماس منها تقدم رسائل متعددة ولجهات متنوعة؛ منها رسالة إلى الحكومة الإسرائيلية بأنّها لم تحقق أهدافها السياسية المتمثلة: بالقضاء على قوى المقاومة في قطاع غزة، وباستعادة الأسرى الإسرائيليين دون دفع ثمن كما قالت على مدار الحرب. ورسالة ثانية إلى المجتمع الإسرائيلي وعائلات الأسرى الإسرائيليين أنّ عودة أبنائهم لن يعودوا بالقوة بل بالاتفاق مع الحركة. ورسالة ثالثة لقيادة السلطة الفلسطينية تقول إنّ حركة حماس وأجهزتها العسكرية والمدنية ما زالت ممسكة بالحكم وقادرة إدارة القطاع وعدم المراهنة على ضعفها، وأنّ أيّ تحرك سياسي لليوم التالي بعد الحرب لا يتم دون تفاهم معها. ورسالة رابعة للمواطنين في قطاع غزة بأنّ حركة حماس وأجهزتها مسيطرة على الأمن وأنها غير قابلة للتنازل عن هيمنتها على الحكم في القطاع، وأنّ الخروج عليها قد يكون مكلفاً. ورسالة خامسة إلى المجتمع الدولي بأنّ أيّ خطة أو تحرك سياسي يتعلقان بقطاع غزة غير ممكنان دون الاعتراف ببقاء حركة حماس. 
فيما الرسالة السادسة التي أرادت حركة حماس ارسالها إلى المجتمع الدولي تتعلق بالسلوك الأخلاقي للفلسطينيين في التعامل مع الأسرى الإسرائيليين، حيث حرصت على ظهورهم بصورة جيدة سواء فيما يتعلق بالإجراءات والأشكال والتعامل أثناء عملية التبادل. 
لكن ما جرى في عملية التبادل في مدينة خانيونس لبعض الأسرى الإسرائيليين في ظل تجمع من المواطنين غاضبين من جرائم الاحتلال الإسرائيلي، وضعف التنظيم والقدرة على السيطرة شكلا تهديدا على حياة الأسرى الإسرائيليين الذين تم الاحتفاظ بهم والحفاظ على حياتهم على مدار خمسة عشر شهراً من الحرب، مما أثار التخوفات من فقدان سيطرة الفصائل أثناء عملية التبادل، وموجة انتقادات واسعة على المستوى الدولي. 
في ظني أنّ إعادة النظر في شكل وطريقة عملية التبادل من قبل حركة حماس بات ضرورة؛ بما أنّ الأهداف التي رمت إليها قد تحققت والرسائل قد وصلت للأطراف المختلفة، وذلك في إطار استخلاص العبر من الفعل واستلهام الدروس، ولكي لا يحصل ما لم يكن يرغب به؛ أي بمعنى آخر "التزيد في الفعل يلغي الفعل ذاته"، أو انطباق المثل الفلسطيني "ما زاد عن حدّه انقلب ضده" هذا من جهة، والانطلاق للاهتمام بمسائل أخرى قد تكون أبلغُ أهمية للشعب الفلسطيني وبخاصة خدمة المواطنين في قطاع غزة وتوفير سُبل إعادة الانبعاث وتعزيز صمودهم من جهة ثانية .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.