
مشهد العودة إلى الشمال انتصار على الإبادة والتطهير العرقيّ
لا شكّ في أنّ مشهد الجموع الجامعة من الفلسطينيّين الغزيّين المتّجهة في خطّ مستقيم نحو الشمال- شمال غزّة، هو أعظم تعبير عن انتصار غزّة على حرب الإبادة والتطهير العرقيّ الأطول والأشرس الّتي تعرّض لها شعبنا الفلسطينيّ منذ نكبة 48، وهو مشهد ليس أنّه حطّم مقولة النصر المطلق الّتي ردّدها نتنياهو فقط، بتعبير عاموس هرئيل، بل حطّم كلّ أحلام قباطنة الصهيونيّة القديمين والجدد في اقتلاع الفلسطينيّين من أرضهم، ومن حلمهم بالعودة إلى الجزء المحتلّ والمستعمر منها مهما طال الزمن.
مسيرة الفلسطينيّين الغزيّين الّتي تتواصل منذ أيّام نحو الشمال تؤكّد بشكل قاطع أنّ البوصلة الّتي بقيت تشير إلى الشمال وإلى شمال الشمال، لم يستطع كلّ الجبروت الاستعماريّ الصهيونيّ الغربيّ الأميركيّ كسرها بعد مئة عام من العدوان، ورغم عشرات آلاف الأطنان من القنابل أميركيّة الصنع الّتي ألقيت على رؤوس الفلسطينيّين في غزّة، والّتي قتلت وجرحت وشوّهت عشرات آلاف المدنيّين من أطفال ونساء ورجال، ودمّرت مظاهر العمران والحياة من حجر وشجر وسبل عيش، إلّا أنّها فشلت في قتل إرادة الحياة لدى الفلسطينيّ، وتفكيك عناصر العلاقة العضويّة بينه وبين أرضه ودياره.
علامة السؤال الّتي وضعها رسّام الكاريكاتير في صحيفة "هآرتس" على صورة الجموع المتّجهة شمالًا حوّلت جملة، أين بنما؟ إلى سؤال استنكاريّ يسخر من كلّ "اقتراحات" التهجير، الّتي انطلقت على لسان الرئيس الأميركيّ الأهوج دونالد ترامب الّتي زرعها في رأسه غلاة المستوطنين الصهاينة من يهود وغير يهود حول تهجير أهالي غزّة إلى مصر والأردنّ وإندونيسيا، والّتي كرّرها كالببّغاء، دون أن يعي حتّى إنّها ستتسبّب له فقط بفعل الوكلاء العرب في الأردنّ ومصر بما قد تجلبه من خطر على عروشهم واستقرار أنظمتهم التابعة، بلا طائل.
لن ينجح ترامب بالوسائل السياسيّة بتحقيق ما فشلت بتحقيقه طائراته الأميركيّة من طراز (إف 16) و(أف 35) وقنابله بزنة ألف رطل، الّتي دمّرت كلّ مظاهر الحياة الإنسانيّة في غزّة، فبرغم الموت الّذي كان يلاحقهم جنوبًا لم يقترب الفلسطينيّون من الجدار الحدوديّ المصريّ على محور فيلادلفيا، ولم يحاولوا حتّى اختراقه للتوجّه جنوبًا نحو رفح المصريّة أو شبه جزيرة سيناء، وليس القرار المصريّ برفض فتح الحدود هو ما منعهم؛ لأنّ ما من حدود كانت ستوقف الزحف البشريّ لو توفّرت النيّة لفعل ذلك، بل هو القرار الفلسطينيّ بالصمود على أرض غزّة وعدم تكرار تجربة 48.
ومثلما أدهش صمود غزّة وشعبها العالم، برغم هول القصف والنار والدمار غير المسبوق تاريخيًّا على بقعة جغرافيّة بهذا الحجم، فإنّ هذا المشهد المهيب لعودة أهلها إلى ديارهم وصورة هذا الزحف البشريّ شمالًا نحو بيوتهم الّتي دمّرها القصف الإسرائيليّ، وليس مشهد خروج كتائب القسّام بزيّها العسكريّ وعدّتها وعتادها من تحت رماد الحرب، هو المشهد الّذي سيخلّد تاريخيًّا بوصفه صورة انتصار الشعب الفلسطينيّ في غزّة على الإبادة، وعلى التطهير العرقيّ.
هذا الصمود هو الّذي أفشل أهداف الحرب الإسرائيليّة، ومنع عن نتنياهو صورة الانتصار الّتي يريد، حيث ظلّت غزّة، رغم الإنجازات الّتي حقّقها على الجبهات الأخرى، عظمة في حلقه وحلق جيشه الّذي أثبت أنّه قادر على الفتك وإحداث الدمار، لكنّه عاجز عن تحقيق الأهداف الّتي تزكّيه بالانتصار، وهو إذ يحاول استنساخ نموذج غزّة في الضفّة الغربيّة ومخيّماتها على نحو خاصّ، في عمليّة دمويّة أخرى تتّخذ من القتل والتدمير عنوانًا لها، فلن يجد هناك أيضًا سوى الخيبة والفشل، وتهم جرائم الحرب الّتي ستلاحق قادته وضبّاطه.
لن ينجح المستوطن سموترتش من تحقيق أيّ حسم في الصراع، حتّى لو حظيت خطّته بغطاء من الرئيس الأميركيّ الأهوج، فدونالد ترامب يستطيع تغيير اسم خليج المكسيك وضمّ غرينلاند، وربّما السيطرة على قناة بنما كما يريد، ولكنّ كلّ أسلحته لم، ولن تستطيع كسر إرادة الشعب الفلسطينيّ وحقّه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلّة فوق ترابه الوطنيّ.

مخاطر وتحديات قرار التقاعد المبكر لضباط الأمن: هل تمت مراعاتها؟

الهوية بين الثابت والمتغير..

المقاومة ... آن الأوان لإعمال العقل

بين التضخم والحروب: كيف تستهدف أمريكا أوروبا في ظل الصراع مع الصين وروسيا؟

المجر.. إسرائيل أهم من القانون الدولي

المطلوب من "حماس"

في تشابك ذراعَي الجيش الإسرائيلي والمستوطنين
