مخيّمات شماليّ الضفّة: من المخيّم إلى الخيام مجدّدًا...
مقالات

مخيّمات شماليّ الضفّة: من المخيّم إلى الخيام مجدّدًا...

لم تعد خيام النزوح مؤخّرًا مسألة تقتصر على غزّة، على الرغم من مأساويّتها في هذه الأخيرة، إنّما النزوح والتهجير جار على قدم وساق في شمال الضفّة الغربيّة منذ أكثر من عشرين يومًا في ظلّ العمليّة العسكريّة الّتي أطلق عليها جيش الاحتلال اسم "السور الحديدي" في محاولة تحيل إلى ما عرف بـ"السور الواقي" الّذي جرف فيها الاحتلال مخيّم جنين بمن فيه خلال الانتفاضة الثانية عام 2002.

ما يزيد عن 30 ألف نازح فلسطينيّ أقدم جيش الاحتلال على اقتلاعهم من بيوتهم بعد هدمها وتجريفهما في كلّ من مخيّم جنين، والّذي نزح من أهله نحو 15 ألفًا، وهم لاجئون فيه أصلًا منذ عام 48، أي بما يساوي 3500 أسرة هام أبناؤها في الأسابيع الأخيرة على وجوههم إلى القرى القريبة من المخيّم. وكذلك استهداف مخيّمي طولكرم ونور شمس وصولًا إلى مخيّم الفارعة في طوباس وبلدة طمون. وذلك في عمليّة ممنهجة لا تقصد هذه المرّة تأديب مخيّمات الضفّة الغربيّة بضرب قوى المقاومة فيها، إنّما في اجتثاث مخيّمات شمال الضفّة الغربيّة من أصل وجودها مرّة واحدة وبلا رجعة.

تأتي عمليّة "السور الحديدي" الّتي يشنّها جيش الاحتلال هذه المرّة ضمن سياق "السيوف الحديديّة" ضمن حرب الإبادة على قطاع غزّة منذ الثامن من تشرين الأوّل/أكتوبر 2023، ومن هنا، يعتبر جيش الاحتلال فعل العمليّة واسمها معًا في شمال الضفّة امتدادًا لحربه على الشعب الفلسطينيّ في غزّة. وإن كانت حكومة نتنياهو وجيشها قد فشلا في تحقيق أهداف حربهما "السيوف الحديديّة" على القطاع، فإنّ "السور الحديدي" الجارية على مخيّمات شمال الضفّة الغربيّة وأهلها هي محاولة للاستعاضة عمّا لم يتمّ تحقيقه في غزّة، لتحقيقه في شمال الضفّة، أي التهجير. كما من الأهمّيّة بمكان التذكير، بأنّ عمليّة "السور الحديدي" تأتي بعد قيام أجهزة الأمن الفلسطينيّة بشنّ حملة عسكريّة على مخيّم جنين في نهاية العام الماضي، وقد فشلت أجهزة أمن السلطة بتطويع المخيّم، ممّا دفع جيش الاحتلال إلى أخذ زمام المبادرة إلى يديه، ليس بتصفية المقاومة فيه، إنّما بتصفية المخيّم نفسه، في عمليّة عسكريّة باتت تُطاول باقي مخيّمات شمال الضفّة في طولكرم وطوباس.

إنّ التصوّرات والمخاوف المطروحة فلسطينيًّا مؤخّرًا عن مجهوليّة مصير الضفّة الغربيّة فيما يخصّ سؤال التهجير، هي مخاوف متّصلة بمخيّمات الضفّة في حقيقتها، وتحديدًا مخيّمات مدن شمال الضفّة الغربيّة. حيث مثّلت مخيّمات جنين ونابلس وطولكرم في السنوات الأخيرة معاقل للفعل المناهض للاحتلال وأجندات أمن السلطة الفلسطينيّة معًا. بالتالي، يجري التخلّص من مخيّمات شمال الضفّة بتجريفها وتهجير أهلها منها ضمن منطق انتقلت فيه سياسات الاحتلال من طور الضبط والتأديب إلى طور الاقتلاع والتهجير، عبر التخلّص من نفس الحيّز المنتج لفعل مناهضة الاحتلال أي المخيّم.

وفي العودة إلى مخطّطات تهجير سكّان قطاع غزّة، وهي مخطّطات لا يجوز الاستخفاف بجدّيّتها خصوصًا بعد تصريحات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مؤخّرًا، فإنّ ذلك التصوّر عن تهجير سكّان القطاع، هو تصوّر تاريخيّ لدى إسرائيل منذ مطلع خمسينيّات القرن الماضي، إذ نظرت الدولة العبريّة إلى القطاع بوصفه أكبر تجمّع للّاجئين الفلسطينين تفرّقوا على جملة من المخيّمات الّتي ابتلعت بدورها غزّة المدينة، ليغدوا القطاع مخيّمًا كبيرًا من اللاجئين النازحين إليه من مدنهم وقراهم ما بين يافا وغزّة جنوبًا. وقد قاوم الغزيّون كلّ مخطّطات تهجيرهم من القطاع منذ ذلك الحين، غير أنّ طوفان الأقصى وحرب الردّ الإباديّة عليه أعاد سؤال التهجير إلى مخيّلة الصهاينة، وعلى طاولتهم مجدّدًا، وهذه المرّة عبر استهداف كلّ مقوّمات الحياة الّتي جاءت عليها الحرب الحاليّة في القطاع بما يدفع سكّانه إلى مغادرته.

إنّ الرابط في سؤال النزوح الجاري في الضفّة والقطاع وتحديدًا في مخيّمات شمالهما، ليس طارئًا، إنّما قائم تاريخيًّا من ناحية أنّ سؤال مقاومة الاحتلال قد اتّصل بالمخيّمات بوصف هذه الأخيرة الحاضنة لجواب السؤال على ماهيّة قضيّة فلسطين، في كونها قضيّة لاجئين في أصل تعريفها، بالتالي مثّلت المخيّمات الفلسطينيّة في الضفّة والقطاع النواة الصلبة لتشكيل وإعادة إنتاج كلّ مكامن ومظاهر التمرّد والرفض تاريخيًّا، لا بل إنّ سرديّة المقاومة الفلسطينيّة منذ النكبة هي سرديّة اللجوء التي اتّصلت بمخيّمات اللجوء، في دول تماس مع إسرائيل في البداية، ثمّ انتقل ثقلها إلى الداخل في الضفّة والقطاع منذ ثمانينيّات القرن الماضي.

صحيح أنّ خطاب المقاومة الفلسطينيّة-التاريخيّة قد شهد تحوّلًا ارتبط بطبيعة تحوّلات وتبدّلات القوى والفصائل المقاومة على الساحة الفلسطينيّة، والّذي استقرّ في العقدين الأخيرين ليقتصر على القوى الإسلاميّة - حماس والجهاد الإسلاميّ- بعد أن كان متّصلًا قبل ذلك بقوى وطنيّة - علمانيّة ويساريّة. ومع ذلك ليس خطاب مقاومة الاحتلال وفعله، وليدي تلك القوى الثوريّة على اختلاف مرجعيّاتها، إنّما مقاومة الاحتلال هي بنت المخيّم وسرديّة اللجوء المكوّن والحاضن في أصله لفعل الرفض والتمرّد.

ومن هنا جاء توجّه الاحتلال الساعي إلى التخلّص من الحاضنة المشكّلة للفعل المقاوم المتمثّلة في المخيّم نفسه، ممّا يفسّر الحملة العسكريّة الحاليّة على اجتثات المخيّمات بتهجير أهلها منها في شمال الضفّة تحديدًا، وذلك للتخلّص من فعل المقاومة والسرديّة الباعثة عليه معًا. وإذا كان العجز هو أحد أبرز مظاهر وقف حرب الإبادة على غزّة، فإنّ الصمت هو من أخطر مظاهر الحرب على مخيّمات شمال القطاع في الأسابيع الأخيرة، إذ يهجّر جيش الاحتلال أهالي مخيّمات جنين وطولكرم وطوباس تهجيرًا حرفيًّا دون أيّة تغطية إعلاميّة تفضح فعل الاحتلال وتغطّيه.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.