دبابة غزة فلبنان فسوريا ثم جنين: قراءة في الاستراتيجية الإسرائيلية
مقالات

دبابة غزة فلبنان فسوريا ثم جنين: قراءة في الاستراتيجية الإسرائيلية

تأتي تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي كاتس في سياق عملية عسكرية متصاعدة في شمال الضفة الغربية، غير منفصلة عن الاستراتيجية الإسرائيلية طويلة المدى تجاه الضفة الغربية والمنطقة بشكل عام. فهذه السياسة لا تستند إلى دوافع أمنية لحظية، وإنما إلى رؤية استراتيجية تسعى إلى فرض واقع جديد على الأرض، يُعزز السيطرة الإسرائيلية ويُضعف أي إمكانية مستقبلية لقيام كيان فلسطيني ذي سيادة، سواء كان ذلك في غزة أو الضفة الغربية.

حرب غزة: فرصة استراتيجية لإعادة رسم قواعد الاشتباك

منذ السابع من أكتوبر 2023، وجدت إسرائيل في الحرب على غزة فرصة تاريخية لإنفاذ خطط كانت موضوعة منذ زمن، ولكن لم تكن الظروف السياسية الدولية والإقليمية مواتية لتنفيذها. تحوّلت غزة إلى مختبر لحروب المستقبل، حيث سعت إسرائيل من خلال حملتها العسكرية إلى تقويض ميزان الردع القائم مع قوى المقاومة، وإعادة تعريف قواعد الاشتباك على مستوى الإقليم بأسره.

في هذا السياق، لم تكن المواجهة مع حزب الله في لبنان أو الضربات الإسرائيلية في سوريا مجرد امتدادات جانبية للحرب، بل كانت جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى فرض معادلة جديدة: تحجيم قدرة حزب الله على المناورة وتقليص هامش حركته الاستراتيجية، مما أدى إلى انكماش سياسي داخل الحزب وتآكل في قاعدة دعمه الشعبية، وهو ما اعتبرته إسرائيل خطوة ضرورية لاحتواء أي تصعيد محتمل على الجبهة الشمالية.

أما في غزة، فلم تكن الأهداف العسكرية تقتصر على ضرب البنية التحتية العسكرية للمقاومة، بل شملت تحويل القطاع إلى بيئة غير قابلة للحياة كأداة ضغط استراتيجية. إسرائيل لم تقدر على إبادة المقاومة كليًا، لكنها هدفت إلى إضعافها إلى الحد الذي يسمح لها بإعادة تعريف شروط المعركة ونتائجها. ومن هنا، فإن العدوان الإسرائيلي لم يكن مجرد حرب تقليدية، بل تجربة لاختبار حدود رد الفعل الدولي والإقليمي تجاه حرب بلا سقف أو قيود.

إعادة هندسة الضفة الغربية: من العمليات العسكرية إلى التغيير الديموغرافي

في الضفة الغربية، تتواصل العملية الإسرائيلية وفق مسار مختلف، لكنه لا ينفصل عن أهداف الحرب على غزة. التصعيد المستمر في شمال الضفة، لا سيما في مخيمات جنين وطولكرم، لا يهدف إلى استهداف المقاومة كهدف معلن، بل يحمل أبعادًا أعمق تتعلق بمحاولة إعادة تشكيل المشهد الديموغرافي والسياسي في الضفة الغربية .

فالسياسة الإسرائيلية لم تقتصر على الاقتحامات العسكرية المتكررة، بل امتدت إلى إجراءات تهدف إلى تفريغ المخيمات الفلسطينية كلياً، ومنع عودة سكانها، والتضييق على عمل وكالة الأونروا، كما صرح كاتس صراحةً. هذه الإجراءات ليست معزولة عن سياق أوسع يهدف إلى تفكيك المخيمات ككيانات اجتماعية وسياسية، ومحاولة دمج سكانها في النظام البلدي الفلسطيني بطريقة تُفقدهم خصوصيتهم السياسية كلاجئين.

وهنا، يتجاوز الأمر كونه عمليات أمنية عابرة ليصبح جزءًا من مشروع هندسة اجتماعية وديموغرافية، حيث تعمل إسرائيل على تفكيك البنية الاجتماعية لسكان المخيمات، وتقويض حقهم في العودة، وتحويلهم إلى مجرد مجموعات سكانية غير مترابطة، يمكن السيطرة عليها بسهولة ضمن منظومة حكم محلية خاضعة للسيطرة الامنية.

الدبابة في جنين: استعراض للقوة أم فرض واقع جديد؟

إدخال الدبابات الإسرائيلية إلى عمق الضفة الغربية، في مشهد غير معتاد منذ الانتفاضة الثانية، لم يكن مجرد استعراض للقوة فقط، بل إشارة رمزية إلى أن إسرائيل لم تعد تريد التعامل مع الضفة الغربية بمعادلات ما قبل السابع من أكتوبر. بين جنازير هذه الدبابات، تتجلى سياسة إعادة رسم معالم السيطرة الإسرائيلية او على الاقل نموذج الاختبار.

الخاتمة :
ما يجري في غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل هو جزء من مشروع إسرائيلي أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للصراع العربي-الإسرائيلي. فالهدف الإسرائيلي لا يقتصر على تحقيق نصر عسكري، بل يمتد إلى إعادة تعريف الوجود الفلسطيني في الضفة وغزة، عبر تفكيك البنى الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تشكل أساسًا لأي مشروع وطني فلسطيني مستقبلي، وكذلك الرؤية الامريكية الاستراتيجية الاوسع بسيفٍ اسرائيلي.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.