تداعيات الحرب بعد المشادة بين ترامب وزيلينسكي: صراع المصالح ومصير أوكرانيا
مقالات

تداعيات الحرب بعد المشادة بين ترامب وزيلينسكي: صراع المصالح ومصير أوكرانيا

الحرب التي طالت فاجأت الغرب وأجبرت أمريكا على إعادة حساباتها

عندما بدأت الحرب الروسية الأوكرانية، لم يتوقع الغرب – وخاصة الولايات المتحدة – أن تستمر لهذه المدة الطويلة، كانت الحسابات الأولية تفترض أن العقوبات الاقتصادية ستُضعف موسكو سريعاً ، وأن الدعم الغربي لأوكرانيا سيؤدي إلى إضعاف الجيش الروسي وإجبار بوتين على التراجع ، لكن بعد أكثر من عامين من القتال، أصبح واضحاً أن هذه التوقعات كانت خاطئة، وأن روسيا لم تنهار اقتصادياً أو عسكريا ، بل تمكنت من التكيف وتعزيز تحالفاتها مع الصين، كوريا الشمالية، وإيران، مما جعلها أكثر قدرة على الصمود والاستمرار في الحرب.

هذا الواقع الجديد دفع واشنطن إلى إعادة حساباتها، إذ أدركت أن استنزاف روسيا في أوكرانيا لم يؤدِّ إلى إضعافها بالشكل المتوقع، في حين أن الولايات المتحدة تواجه تحديات أكبر وأكثر خطورة على المستوى العالمي، وأبرزها الصراع مع الصين، إضافة إلى تصاعد التوترات مع إيران وكوريا الشمالية، والأزمات المستمرة في الشرق الأوسط.

مصلحة أوكرانيا: هل كانت هذه حربها أصلًا؟

منذ البداية، لم تكن الحرب خياراً  مفيدا لأوكرانيا، بل كانت مستنقعاً زُجّت فيه لتنفيذ أجندات خارجية. فماذا جنت كييف من هذا الصراع؟
    •    خسائر بشرية واقتصادية هائلة: أكثر من 500 ألف قتيل وجريح، وتدمير البنية التحتية، ونزوح الملايين من الأوكرانيين.
    •    انهيار اقتصادي شبه كامل: انكماش الناتج المحلي الإجمالي، وتراجع الاستثمارات، وتحول البلاد إلى دولة تعتمد بالكامل على المساعدات الخارجية.
    •    لا ضمانات لدخول الناتو أو الاتحاد الأوروبي: رغم وعود الغرب، لا يزال انضمام أوكرانيا للناتو أمراً مرفوضاً ، لأن ذلك يعني صداماً مباشراً مع روسيا، وهو ما لا تريده أوروبا.
    •    زيلينسكي يحارب معركة ليست معركته: منذ البداية، لم يكن أمام أوكرانيا سوى خيارين:
    1.    تسوية سياسية تحافظ على سيادتها مع تقديم تنازلات حول القضايا التي تهم روسيا، مثل حيادها وعدم الانضمام للناتو.
    2.    الانخراط في حرب بالوكالة عن الغرب، وهو ما فعله زيلينسكي، مما جعل أوكرانيا تدفع الثمن الأكبر.

أمريكا: المستفيد الأكبر من استمرار الحرب… والآن من وقفها

منذ بداية الصراع، كانت الولايات المتحدة المستفيد الأكبر، حيث ضمنت عقوداً ضخمة لبيع الأسلحة لأوروبا، وصدّرت الغاز بأسعار مرتفعة ليحل محل الغاز الروسي، وعززت نفوذها داخل الاتحاد الأوروبي عبر دفعه للاعتماد أكثر على واشنطن أمنياً واقتصادياً .
لكن مع استمرار الحرب دون حسم، بدأت واشنطن تدرك أن الاستمرار في تمويلها إلى ما لا نهاية لم يعد يخدم مصالحها الإستراتيجية ، فمع صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية تهدد الهيمنة الأمريكية، وجدت الولايات المتحدة نفسها بحاجة إلى التركيز على احتواء بكين بدلاً من الانشغال بحرب تستنزف مواردها دون نتائج ملموسة.
إضافة إلى ذلك، تدرك واشنطن أن إنهاء الحرب يمكن أن يفتح لها فرصاً جديدة لعقد اتفاقيات مع روسيا من شأنها إضعاف التحالف الروسي-الصيني، وهو ما تسعى إليه الإدارة الأمريكية حالياً ، حيث تدرك أن وجود تحالف قوي بين موسكو وبكين يمثل تهديداً خطيراً  لنفوذها العالمي.

أوروبا: من الحماس لدعم أوكرانيا إلى مواجهة الأزمة الاقتصادية

في بداية الحرب، سارعت أوروبا إلى الوقوف بجانب أوكرانيا، وأكدت لزيلينسكي مراراً أنه “ليس وحده” ، لكن مع مرور الوقت، بدأت تداعيات الحرب تضرب الاقتصادات الأوروبية بشدة.
    •    أزمة الطاقة: أدى قطع إمدادات الغاز الروسي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وإغلاق العديد من المصانع، مما أضعف الاقتصاد الأوروبي.
    •    أزمة اللاجئين: استقبلت الدول الأوروبية ملايين اللاجئين الأوكرانيين، مما فرض أعباءً إضافية على الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني أصلاً  من أزمة اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط وأفريقيا.
    •    التضخم وارتفاع الأسعار: تسببت الحرب والعقوبات في ارتفاع الأسعار بشكل كبير، مما أدى إلى استياء شعبي متزايد وضغوط على الحكومات الأوروبية.

ومع توقف الدعم الأمريكي لأوكرانيا، تجد أوروبا نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في تمويل الحرب بمفردها، وهو أمر صعب في ظل الأزمة الاقتصادية، أو البحث عن حلول دبلوماسية لإنهاء الصراع، حتى لو كان ذلك يعني تقديم تنازلات لروسيا.

روسيا: لم تستخدم كامل قوتها… وقد تحسم الحرب عسكرياً

على عكس التوقعات الغربية، لم تنهار روسيا اقتصادياً أو عسكرياً ، بل على العكس، تمكنت من تعويض خسائرها عبر تعزيز علاقاتها التجارية مع الصين والهند وإيران، واستفادت من العقوبات الغربية في تطوير صناعاتها المحلية، خاصة في قطاع الطاقة والدفاع.
كما أن الجيش الروسي لم يستخدم بعد كامل قوته، مما يجعل من الممكن حسم الحرب عسكرياً إذا استمر الدعم الغربي لأوكرانيا في التراجع ، ومن منظور موسكو، فإن إنهاء الحرب يجب أن يكون بشروطها، وأهمها ضمان عدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وهو الأمر الذي تعتبره روسيا خطاً أحمر لا يمكن التنازل عنه.

أوكرانيا: من الخطوط الأمامية إلى واقع مرير
بالنسبة لأوكرانيا، فإن الوضع أصبح أكثر تعقيداً، فبعد أن تلقت دعماً هائلاً  من الغرب، تجد نفسها اليوم في موقف صعب، حيث يتراجع الدعم الأمريكي، والاقتصاد الأوكراني يعاني من دمار هائل، والقوات الأوكرانية تعاني من نقص في الذخائر والتجنيد.
ورغم الخطابات المتفائلة لزيلينسكي، يدرك العديد من الأوكرانيين أن بلادهم أصبحت أداة في صراع دولي بين روسيا والغرب، وأن استمرار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار دون تحقيق نتائج حاسمة.

الخوف من حرب عالمية ثالثة والضغوط العالمية لإنهاء الصراع

مع استمرار الحرب، تتزايد المخاوف من تصعيد أكبر قد يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة ، تحذيرات ترامب من هذا السيناريو لم تكن مجرد تصريحات سياسية، بل تعكس قلقاً حقيقياً من أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو، وهو أمر قد تكون نتائجه كارثية على العالم بأسره.
إضافة إلى ذلك، فإن التأثيرات الاقتصادية للحرب لا تقتصر على أوروبا وأمريكا فقط، بل تمتد إلى الشرق الأوسط، آسيا، وأفريقيا، حيث تتسبب في ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، مما يزيد من الضغوط على الاقتصادات الناشئة.

بعد تراجع الدعم الأمريكي… الحرب تقترب من نهايتها

مع تراجع الدعم الأمريكي لأوكرانيا، يتضح أن الحرب دخلت مرحلتها الأخيرة ، لم يعد الغرب قادراً  على تحمل تكلفة الاستمرار في دعم كييف، وبدأت الأصوات داخل أوكرانيا نفسها تتحدث عن الحاجة إلى مفاوضات لإنهاء النزاع.
في النهاية، يبدو أن الحرب ستنتهي لصالح روسيا، ولكن أيضًا لصالح أوكرانيا إذا تمكنت من الوصول إلى اتفاق سياسي ينهي المعاناة المستمرة لشعبها ، فالمعركة الحقيقية لم تكن أبداً معركة أوكرانيا وحدها، بل كانت دائماً جزءًا من صراع أوسع بين أمريكا وأوروبا من جهة، وروسيا من جهة أخرى و ها هي امريكا أقوى الداعمين و اهمهم انسحبت .

اليوم، تدرك واشنطن أن استمرار الحرب أصبح مكلفاً وغير مفيد، وتسعى إلى إعادة ترتيب أولوياتها لمواجهة الصين وكوريا الشمالية وإيران، وربما حتى عقد اتفاقيات جديدة مع موسكو لإضعاف تحالفها مع بكين.
في النهاية، سواء عبر الحلول الدبلوماسية أو عبر الحسم العسكري، فإن الحرب تقترب من نهايتها ، والدرس الأكبر الذي يمكن استخلاصه هو أن أوكرانيا لم تكن سوى ساحة معركة لحروب الآخرين، وعليها الآن أن تبحث عن مستقبلها بعيداً عن لعبة المصالح الدولية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.