
بين التضخم والحروب: كيف تستهدف أمريكا أوروبا في ظل الصراع مع الصين وروسيا؟
تشهد أوروبا اليوم أزمة هوية بين ادعاء الاستقلالية والخضوع للهيمنة الأمريكية إذ تبدو قراراتها السياسية مرتهنة للإدارة الأمريكية التي تستخدمها كأداة لتحقيق مصالحها الجيوسياسية حتى لو كان ذلك على حساب الأوروبيين أنفسهم ، ففي ظل التوترات الدولية ظهر التناقض الأوروبي بشكل صارخ خاصة في تعاملها مع القضايا الدولية مثل الحرب في أوكرانيا و حرب الابادة ضد الشعب الفلسطيني .
أمريكا تحاصر أوروبا قبل روسيا والصين
منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية تحولت أوروبا إلى ساحة صراع بالوكالة تخوضها الولايات المتحدة ضد روسيا مما أدى إلى تدهور اقتصادي حاد في القارة العجوز ، و وفقًا لتقرير صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) في 2023 زادت واشنطن دعمها العسكري لأوكرانيا ليصل إلى 46.6 مليار دولار بين 2022 و2023، مما أدى إلى ارتفاع التضخم وتفاقم أزمة الطاقة خاصة مع توقف إمدادات الغاز الروسي.
في المقابل وجدت موسكو أسواقاً جديدة لطاقتها في آسيا بينما عانت اقتصادات ألمانيا وفرنسا من ارتفاع غير مسبوق في الأسعار وفق تقرير البنك الدولي (2023) ، رغم هذه التحديات تواصل الحكومات الأوروبية تنفيذ الأجندة الأمريكية دون مراعاة المصالح الحقيقية لشعوبها مما أثار احتجاجات شعبية متزايدة ضد استمرار الدعم المالي والعسكري لكييف.
لكن الأخطر هو أن السياسات الأمريكية تهدف إلى إضعاف أوروبا قبل روسيا والصين خوفاً من تحولها إلى قوة اقتصادية مستقلة تتعاون مع بكين وموسكو ، و بسبب فشل واشنطن في احتواء الصين اقتصادياً وسياسياً أصبح إضعاف أوروبا وسيلة أمريكية لمنع أي تحالف اقتصادي أوروبي-آسيوي قد يهدد الدولار الأمريكي أو الهيمنة الأمريكية على الأسواق العالمية.
قمع الحريات في أوروبا تحت الضغوط الأمريكية
ادعت أوروبا دائماً أنها “حامية حرية التعبير” لكن الواقع يثبت العكس عندما يتعلق الأمر بالانحراف عن المسار الأمريكي ، وفقًا لتقرير “مراسلون بلا حدود” (RSF) لعام 2023 شهدت أوروبا تراجعاً ملحوظاً في حرية الصحافة حيث تم حظر وسائل الإعلام الروسية مثل “روسيا اليوم” و”سبوتنيك” بينما تعرض صحفيون معارضون للرقابة أو الاعتقال مثل ما حدث مع جوليان أسانج الذي يواجه احتمال الترحيل إلى الولايات المتحدة بسبب نشره وثائق تكشف الانتهاكات الأمريكية في العراق وأفغانستان.
كما أشار تقرير “هيومن رايتس ووتش” (HRW) في 2023 إلى أن الحكومات الأوروبية قمعت بشدة الأصوات التي تنتقد الدعم غير المشروط لأوكرانيا حيث شهدت ألمانيا وفرنسا موجة من الاعتقالات لنشطاء وصحفيين فقط لأنهم شككوا في جدوى السياسات الغربية ، هذه الممارسات تؤكد أن “حرية التعبير” في أوروبا ليست سوى شعار فارغ عندما يتعلق الأمر بمخالفة المصالح الأمريكية.
ازدواجية المعايير الأوروبية في حقوق الإنسان
تدّعي أوروبا أنها تدافع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي لكنها تطبق هذه المبادئ بشكل انتقائي خاصة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل ، و وفقاً لتقرير الأمم المتحدة (2024) أدت الاعتداءات الإسرائيلية على غزة إلى استشهاد أكثر من 30,000 فلسطيني خلال ستة أشهر و حتى اليوم وصل ل 51000 شهيد معظمهم مدنيين أطفال و نساء ومع ذلك لم تتخذ أوروبا أي إجراءات لفرض عقوبات على إسرائيل كما فعلت بسرعة البرق ضد روسيا بعد حرب أوكرانيا رغم ان عدد القتلى لم يصل لمئات .
أما منظمة العفو الدولية (Amnesty International) في 2023 فقد وثقت استمرار دول أوروبية مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا في تزويد إسرائيل بالأسلحة رغم استخدامها في استهداف المدنيين الفلسطينيين ، ورغم أن البرلمان الأوروبي يطالب بمحاكمة المسؤولين الروس في المحكمة الجنائية الدولية فإنه يرفض حتى فتح تحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية مما يكشف نفاقاً صارخاً في تطبيق القانون الدولي.
أوروبا والخضوع للابتزاز الأمريكي في ملف الصين
بينما تسعى بعض الدول الأوروبية إلى إقامة علاقات اقتصادية متوازنة مع الصين، تعمل الولايات المتحدة على فرض عقوبات وضغوط على الشركات الصينية بحجة الأمن القومي كما فعلت مع شركة هواوي التي تعرضت لحظر واسع في الأسواق الأوروبية بتوجيهات أمريكية ، لكن في المقابل لم تجرؤ أوروبا على فرض أي قيود على الشركات الأمريكية رغم فضائح التجسس التي كشفها إدوارد سنودن مما يؤكد أن القرار الأوروبي ليس مستقلاً بل يخضع للابتزاز الأمريكي.
هنغاريا وانسحابها من المحكمة الجنائية الدولية لاستقبال نتنياهو
في خطوة تؤكد أن العدالة الدولية ليست سوى أداة سياسية في يد الغرب قامت هنغاريا وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي بالانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية فقط لكي تتمكن من استقبال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو دون التعرض لضغوط قانونية ، هذه الخطوة فضيحة أخلاقية وسياسية تُظهر أن القانون الدولي يُستخدم فقط ضد أعداء أمريكا والغرب بينما يُمنح القادة الإسرائيليون حصانة دولية حتى عندما يرتكبون مجازر ضد الفلسطينيين.
هل تستطيع أوروبا التحرر من الهيمنة الأمريكية؟
وفقًا لتقرير صادر عن “مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي (ECFR) في 2023 فإن تبعية أوروبا للولايات المتحدة أضعفت نفوذها العالمي حيث أصبحت عاجزة عن تبني سياسات مستقلة تخدم مصالحها ، ويوصي التقرير بأن تعزز أوروبا شراكاتها الاقتصادية مع الصين والهند ودول الجنوب العالمي لتقليل اعتمادها على واشنطن.
إن مستقبل أوروبا مرهون بقدرتها على التحرر من التبعية العمياء للولايات المتحدة ، فطالما بقيت قراراتها مرهونة بالمصالح الأمريكية فإنها ستواصل دفع الثمن اقتصادياً وسياسياً بينما يتلاعب بها البيت الأبيض لتحقيق أجندته الجيوسياسية ، فهل تدرك أوروبا هذه الحقيقة قبل فوات الأوان؟ أم أنها ستظل مجرد أداة تخدم مصالح واشنطن على حساب مستقبلها؟.