اقتصاد صدى  - مع تزايد حديث الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، عن خططه وبرامجه لزيادة الإنتاج الأمريكي من النفط، وطلبه من منظمة البلدان التي تصدر البترول "أوبك"، لخفض الأسعار، مما أدى إلى تراجع أسعار النفط لأكثر من 1%.

وبين "ترامب" أنه سيتخذ إجراءات واسعة النطاق، من أجل تعزيز إنتاج أمريكا للنفط والغاز، خلال أول أسبوع له بعد توليه المنصب.

فبدأ بعض المحللين بالتوقع أن أمريكا تقترب من الاستغناء نهائياً عن واردات الخام من المملكة العربية السعودية، في المقابل يرى آخرون أن هذا الانخفاض سيؤدي إلى فتح الأسواق الآسيوية أمام السعودية، حيث الطلب بشكل أكبر على النفط.

بدأ انخفاض الصادرات من السعودية منذ عقود، عقب توجه الولايات المتحدة لزيادة الإنتاج محلياً.

أسباب انخفاض صادرات النفط من السعودية

لعبت السعودية دوراً فاعلاً في استقرار إمدادات النفط إلى الأسواق العالمية منذ بدأت التصدير عام 1939، بفضل امتلاكها احتياطي يُقدّر بأكثر من 264 مليار برميل، ولكونها أكبر مصدّر للخام عالمياً، حيث وفرت الوقود اللازم لتطور الصناعات في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وظلت لعقود المصدر الرئيسي للأسواق الأميركية، لكن بدء الولايات المتحدة بإنتاج النفط الصخري تسبب في تراجع الواردات بوتيرة متسارعة.

حيث صدّرت السعودية 490 مليون برميل إلى الولايات المتحدة في 2012، أي حوالي 1.4 مليون برميل يومياً. أما في 2023، فلم تتجاوز الصادرات السعودية للعام 127.3 مليون برميل، بمتوسط 353 ألف برميل يومياً، حسب بيانات إدارة معلومات الطاقة. في حين وصلت هذه الصادرات إلى 273 ألف برميل يومياً العام الماضي، وفق نشرة "ميس" (MEES) التي تركز على أخبار الطاقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتعتقد "جينا ديلاني"، مديرة الخام العالمي في "رابيدان إنرجي" (Rapidan Energy) أن النمو في الإنتاج المحلي في الولايات المتحدة كان أحد الأسباب الرئيسية لانخفاض صادرات النفط السعودي، حيث تمكنت المصافي المحلية من الحصول على المزيد من البراميل محلياً وهو ما خفض الحاجة إلى الواردات المنقولة عبر البحر.

أما إحسان الحق، محلل في مجال الطاقة، فترى أن التغيير في صادرات النفط السعودي نحو أميركا وراءه أربعة عوامل رئيسية، أولها زيادة الإنتاج المحلي في أميركا من 10 ملايين برميل يومياً إلى 13.5 مليون برميل، وثانياً ارتفاع صادرات كندا النفطية من 3 ملايين برميل يومياً عام 2017 إلى 4 ملايين برميل، وثالثاً توجه السعودية إلى آسيا واعتبارها السوق الرئيسية، إضافة إلى نمو طاقة التكرير السعودية إلى 3.3 مليون برميل يومياً، مقابل 2.8 مليون برميل قبل ثماني سنوات.

تحقيق هدف الرئيس الأسبق "بوش" 

كان مسعى واشنطن لتقليص وارداتها من النفط هدفاً منذ عقود، فالرئيس الأسبق بوش قال في خطاب شهير عن حالة الاتحاد عام 2006 إن بلاده "مدمنة على النفط"، وحدد هدفاً لاستبدال 75% من واردات النفط السعودية ودول الشرق الأوسط بحلول عام 2025. قال الكاتب في الشأن النفطي في "بلومبرغ" خافيير بلاس إن "قلائل فقط اعتقدوا أن هذا كان واقعياً لأن العلاقات بين البلدين كانت في أوجها، بتجاوز الواردات 1.5 مليون برميل يومياً في 2006".

تشير الأرقام إلى ارتفاع استيراد الولايات المتحدة للنفط من كندا بعد إنشاء خط أنابيب "TMX" الذي يربط البلدين والذي تم تدشينه في بداية 2024، إذ تصل الطاقة التصديرية للأنبوب إلى 900 ألف برميل كل يوم، ما ساهم في تقليص كافة المصافي الأميركية في الساحل الغربي لوارداتها من النفط لصالح استخدام الخام المحلي والكندي. أمام هذا الوضع، يرى عماد الخياط، كبير المحللين الاقتصاديين السابق في "أوبك"، أن نفط الشرق الأوسط يأتي في المرتبة الثانية من حيث التنافسية في السوق الأميركية، فيما يمتلك النفط القادم من كندا والمكسيك وفنزويلا أفضلية بحكم قرب المسافة وبالتالي انخفاض تكلفة الشحن.

هل تتجه السعودية نحو أسواق آسيا؟

عدد من المحللين يتفقون على أن السعودية اتخذت منذ مدة قراراً استراتيجياً بالتوجه لأسواق الشرق نحو آسيا حيث ينمو الطلب بشكل أكبر على النفط. نوه الخياط في حديث لـ"الشرق" أن السعودية ودولاً أخرى مصدرة للنفط في الشرق الأوسط اتخذت قراراً استراتيجياً منذ بداية الألفية بالتركيز على سوق آسيا اعتماداً على توقعات بأنه سيكون مركز ثقل الطلب العالمي على النفط، وأضاف: "بالفعل صدقت تلك التوقعات وتمكنت السعودية من الاستحواذ على حصة كبيرة في سوق آسيا وقامت باستثمارات وشراكات في مجال إنشاء المصافي في آسيا".

ارتفعت صادرات المملكة إلى الصين من 1.13 مليون برميل يومياً في 2018 إلى 1.58 مليون برميل يومياً خلال الأشهر الـ11 الأولى من 2024، بحسب نشرة "ميس". كما زادت صادراتها إلى الهند من 788 ألف برميل يومياً إلى 815 ألف برميل يومياً خلال نفس الفترة. كما سجلت الصادرات النفطية السعودية إلى السوق الأوروبية قفزة بنسبة 47% منذ يوليو 2023 حتى الآن، بحسب نشرة "ميس" العالمية، نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية في البحر الأحمر.

رؤية وزير المالية السعودية حول الاستثمار في أمريكا

يوضح وزير المالية السعودي، محمد الخياط أن "تخلي السوق الأميركي عن النفط السعودي لم يؤثر كثيراً على الطلب في المملكة، إذ ساعد التوجه نحو السوق الآسيوي السعودي على زيادة عائداتها من تصدير النفط مقارنةً فيما لو كانت تلك الكميات قد وجدت طريقها إلى السوق الأميركي" .

بدوره يشير فهد بن جمعة، عضو لجنة الاقتصاد والطاقة في مجلس الشورى السعودي سابقاً، أن تراجع صادرات النفط نحو الولايات المتحدة لا يعني أنه يفقد أهميته في أسواق النفط العالمية، وأضاف في حديث لـ"الشرق": "السعودية لديها طاقة إنتاجية كبيرة وهي أكبر مصدر للنفط، وثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم. لذا فهي تستطيع التأثير على الأسعار العالمية من خلال مرونة عرضها".

ما زالت الولايات المتحدة تستورد أكثر من 6 ملايين برميل يومياً من النفط، وفي حالة تراجع إنتاج النفط الكندي والمكسيكي على وقع التعريفات المرتقبة أو حتى الإنتاج الأميركي، فإن الملاذ الآمن هو العودة إلى استيراد النفط السعودي بكميات كبيرة، بحسب بن جمعة.

"عهد اعتماد أمريكا على النفط السعودي شارف على النهاية"

يعتبر المحلل النفطي المعروف خافيير بلاس أن عصر اعتماد الولايات المتحدة على النفط السعودي شارف على نهايته، استناداً إلى انخفاض الواردات بنسبة 85% خلال العام الماضي، مقارنةً بأعلى مستوى وصلت إليه عام 2003 حين كانت صادرات الخام السعودي تتدفق إلى السوق الأميركية بمعدل 1.7 مليون برميل. ويفيد أن إحدى المصافي الخمس التي تستورد الخام السعودي ستغلق أبوابها خلال 2025، ما سيترك أربعة زبائن فقط للمملكة في الولايات المتحدة، بعدما كان عددها 25 مصفاة تعتمد على الخام السعودي قبل عقدين من الزمن.

في المقابل، يقرأ فيكتور كاتونا، رئيس محللي النفط في "كبلر" (Kpler) هذا التغير بأن السعودية ليست متحمسة بشكل خاص للأسواق الأميركية لأن آسيا هي السوق الأساسية بالنسبة لهم، حيث يذهب حوالي 80% من جميع الصادرات السعودية إلى آسيا.

كيف أثرت عودة "ترامب" على النفط السعودي

مع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، يتجلى من التصريحات الأولية أن العلاقات بين البلدين ستستمر على مسار جيد كما في العقود الثمانية الماضية، ويرجح المحللون عدم تأثير سياسات ترمب الموعودة على الواقع الحالي. يعتقد إحسان حق أن "العلاقة بين واشنطن والرياض ستتحسن في عهد الرئيس ترمب، لكن ذلك لا يعني زيادة تدفقات النفط السعودي نحو أميركا، لأن الرياض تعتبر آسيا سوقاً متزايدة الطلب وستواصل إرسال المزيد إليها مقارنة بالغرب".

رأي إحسان حق يتشاركه أيضاً كاتونا، حيث قال إنه من غير المرجح أن تغير سياسة ترمب لزيادة الإنتاج من الواقع بشكل كبير، ويعتبر أنه لم يكن هناك ما يمنع شركات النفط الأميركية من الحفر بالقدر الذي تريده في عام 2023 أو 2024 وهي لم تفعل لأنها مهتمة بالانضباط الرأسمالي وتحقيق عوائد للمساهمين.

بدوره أشار كلوديو غاليمبيرتي، كبير الاقتصاديين ومدير قسم أسواق الطاقة في "ريستاد إنرجي" (Rystad Energy)، إلى أن "شركات التكرير الأميركية تتمتع بحرية اختيار موردي الخام بناءً على السوق. وما لم تحظر إدارة ترمب الخام السعودي، وهو أمر غير مرجح للغاية حتى الآن، فسوف تستمر في اتخاذ قرار الشراء بناءً على ظروف السوق، ولذلك تزيد المملكة العربية السعودية صادراتها من الخام إلى آسيا".

بينما رجح عبد الله القاضي استهداف السعودية للمصافي الأوروبية والأسواق الصينية والهندية بالأساس، وقال إن "ترمب سيعزز تطوير النفط والغاز محلياً"، ويخلص إلى القول أنه "مع وجود مصادر قريبة لن يكون النفط العربي الخفيف ضرورياً للمصافي الأميركية اعتباراً من عام 2025".