مقدمة:

في العلوم السياسية، يُعرَّف "العامل الحاسم"(Game Changer) بانه تطور جوهري يعيد تشكيل المعادلات السياسية والاستراتيجية، مما يفرض على الفاعلين—سواء دولًا أو منظمات—إعادة تقييم استراتيجياتهم. وشهد التاريخ أحداثًا عديدة مثل إنشاء إسرائيل عام 1948، وهزيمة 1967، والانتفاضة الفلسطينية في العام 1987، وعملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، التي أحدثت تحولًا جذريًا في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وزلزلت العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

في هذا السياق، تشكل عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وإعلانه دعم التطهير العرقي والتهجير القسري للفلسطينيين "عاملًا حاسمًا"، يدفع الصراع نحو منطق "السلام القائم على القوة، وحق القوة" وليس نحو منطق " قوة الحق"، متجاوزًا الحلول الدبلوماسية التقليدية. مقارنة بـ"صفقة القرن"، تبدو سياسات ترامب أكثر تطرفًا، حيث انتقلت من تهميش حل الدولتين إلى الترويج العلني للضم الكامل والتهجير القسري، مع إعادة تعريف وضع غزة خارج أي تصور لدولة فلسطينية. وإذا كانت ولايته الأولى تركت هامشًا للتفاوض، فإن الثانية تتماشى بالكامل مع أجندة اليمين الإسرائيلي المتطرف والفاشي، مما يجعل أي احتمال لقيام دولة فلسطينية أكثر استحالة من أي وقت مضى.

في ضوء ذلك، تناقش هذه المقالة تأثير " العامل الحاسم " على ملفات رئيسية، أبرزها اتفاق الهدنة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية، وموقف الأردن ومصر من مخططات التهجير، فضلا عن تناول الموقف السعودي في بيئة إقليمية معقدة ومتغيرة، وما يترتب على الفلسطينيين، سلطة ومعارضة، لمواجهة هذا الواقع الجديد.

نتنياهو: بين دمج المراحل والتلاعب بالشروط

على الرغم من تصريحات ترامب والتهديد بإلغاء اتفاق الهدنة، الا ان فرضيتي ان هناك مصلحة إسرائيلية لا تزال قائمة في استكمال المرحلة الأولى من الاتفاق التي تمت المصادقة عليها من الحكومة الاسرائيلية، ولكن العقبة الأبرز تكمن في وتيرة تنفيذ البنود المتبقية، لا سيما في الجانب الإنساني، الذي شهد تراجعًا حادًا في فرص تحقيقه. فقد امتنعت إسرائيل من إدخال البيوت المتنقلة، والمعدات اللازمة لإزالة الركام، واحتياجات المستشفيات، خشية أن تعزز هذه الإجراءات صمود الفلسطينيين بدلا من الإبقاء على الظروف التي تدفعهم للهجرة الطوعية او القسرية. هذا التباطؤ لا يهدد فقط استكمال تنفيذ المرحلة الأولى، بل يعزز أيضًا احتمالات عرقلة الانتقال إلى المرحلة الثانية، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة إلغاءها بالكامل.

في هذا الإطار، قد يلجأ نتنياهو إلى تمديد المرحلة الأولى وإدماج بعض عناصر المرحلة الثانية فيها، كخيار يتيح له التملص من التزام واضح بالانتقال إلى مرحلة جديدة. هذا التكتيك قد يستهدف بالأساس احتواء الضغوط الداخلية والالتفاف على تهديدات سموتريتش وحلفائه في الحكومة، الذين هددوا بإسقاطها في حال المضي قدمًا نحو المرحلة الثانية. كما يمنح نتنياهو الفرصة لإعادة التفاوض على شروط المرحلة المقبلة بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية المتغيرة، خاصة في ظل البيئة السياسية التي باتت أكثر دعمًا له بعد إعلان ترامب. أما المرحلة الثالثة، التي تشمل إعادة الإعمار، فقد باتت فرص تنفيذها شبه معدومة، حيث تقترب احتمالات تحققها من الصفر. هذا الواقع يفرض على المقاومة الفلسطينية إعادة تقييم موقفها التفاوضي فيما تبقى من دفعات في المرحلة الأولى، مع التركيز على ضمان التطبيق الحرفي للشق الإنساني من الاتفاق، والاستعداد لتجدد العدوان. كما يتطلب من المنظمة والحكومة الفلسطينية تنفيذ ما يمكنها من خطتها للإغاثة والتعافي وإعادة الاعمار في غزة، وتنسيق الجهود العربية والدولية للحدّ من تداعيات أي تصعيد مستقبلي، والعمل على منع استغلال العدوان لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم المخططات الإسرائيلية للتهجير والتطهير العرقي.

عمان والقاهرة وجهود تعزيز الصمود الفلسطيني

تشكل عودة ترامب وإعلانه بشأن غزة تحولًا استراتيجيًا في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث تتجاوز تداعياته الأبعاد السياسية التقليدية لتشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني لكل من الأردن ومصر. فهاتان الدولتان، اللتان تعدّان الركيزة الأساسية في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، تواجهان ضغوطًا غير مسبوقة نتيجة تصاعد مخططات التهجير القسري والتطهير العرقي وإعادة رسم الخارطة الديموغرافية للمنطقة.

بالنسبة للأردن، لا يمكن فصل موقفه الرافض لأي محاولات تهجير للفلسطينيين عن رؤيته الاستراتيجية لأمنه القومي. فالمملكة، التي تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، تواجه تحديًا وجوديًا في ظل تصاعد الخطاب اليميني الإسرائيلي الداعي إلى "الوطن البديل"، وهو ما يهدد استقراره الداخلي. ورغم الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمارسها الولايات المتحدة، بما في ذلك التهديد بوقف المساعدات السنوية التي تفوق 1.45 مليار دولار وبرامج الدعم ألامني والاقتصادي، الا ان الأردن، ملكا وحكومة وشعبا، عبرت عن رفض قاطع وثابت للتهجير.

من جهة أخرى، رغم الضغوط الأمريكية التي تشمل المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تبلغ نحو 1.3 مليار دولار سنويًا، فضلًا عن استخدام ملف سد النهضة وإجراءات القرض الثاني من البنك الدولي، تبنت مصر موقفًا واضحا برفض مخططات التهجير القسري للفلسطينيين، معتبرة ترحيل سكان غزة إلى سيناء تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. وفي خطوة تعكس هذا الرفض، دعت القاهرة إلى قمة عربية طارئة بناء على طلب دولة فلسطين، وأجلت زيارة الرئيس إلى واشنطن، في رسالة واضحة برفض أي ضغوط أمريكية لتمرير هذه المخططات. ومع ذلك، تسعى مصر للحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن وحماية أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية من اية عملية إعادة اعمار في قطاع غزة. هذا الموقف، إلى جانب التحركات الأردنية، يؤكد أن التحدي يتجاوز دعم القضية الفلسطينية ليشمل استقرار المنطقة، ما يستدعي توافقًا فلسطينيًا على "برنامج موحد" يعزز التنسيق العربي ويوفر رؤية سياسية واضحة، بما يضمن تبديد أي مخاوف قد تنشأ لدى البعض بشأن مخرجات القمة العربي.

ترامب والسعودية: حسابات معقدة ومسارات متغيرة

فضلا عما سبق، شكلت عودة ترامب إلى البيت الأبيض فرصة لاستعادة قوة العلاقات الأمريكية-السعودية التي تميزت بها ولايته الأولى، لكنها في الوقت ذاته فرضت تحديات جديدة على المملكة، خاصة بعد تصريحاته الداعمة للتطهير العرقي وتهجير الفلسطينيين. وفي ظل ما أحدثته عملية "طوفان الأقصى" من متغيرات وفرضته من تحديات، تجد الرياض نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم موقفها من التطبيع مع إسرائيل، حيث باتت المعضلة السعودية تتمثل في تحقيق توازن دقيق بين رفضها الرسمي لمخططات التهجير، والحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن، خاصة مع الضغوط المتزايدة التي تمارسها إدارة ترامب لجعل التطبيع السعودي-الإسرائيلي أولوية سياسية عبر أدوات تشمل المساعدات العسكرية وصفقات الأسلحة والتعاون الأمني.

ومع أن مواجهة النفوذ الإيراني لا تزال أولوية سعودية، ما يتوافق مع سياسة "الضغط الأقصى" الأمريكية، إلا أن التطبيع غير المشروط مع إسرائيل قد يخلّ بالتوازنات الإقليمية، خصوصًا مع غياب أفق لحل عادل للقضية الفلسطينية، ما قد يؤدي إلى تصعيد جديد بدلاً من تحقيق الاستقرار الذي تسعى إليه في إطار "رؤية السعودية 2030".

في ظل هذه التعقيدات، ومع اعتبار الإدارة الأمريكية تطبيع العلاقات السعودية-الإسرائيلية أولوية سياسية، تجد الرياض نفسها أمام مجموعة من الخيارات التي قد تتبلور وفق أحد السيناريوهات التالية: أولًا، التطبيع الكامل مقابل حل سياسي للفلسطينيين، وهو احتمال ضعيف نظرًا لرفض إسرائيل والولايات المتحدة الالتزام بحل الدولتين، مما يجعله غير واقعي في ظل الظروف الراهنة. ثانيًا، تجميد التطبيع والانتظار، وهو سيناريو متوسط الاحتمال، حيث قد تفضّل السعودية تأجيل أي خطوات رسمية لحين اتضاح التغيرات السياسية في إسرائيل والولايات المتحدة، خاصة في ظل عدم وجود ضمانات لحل عادل للفلسطينيين، وتصاعد الخطاب اليميني الإسرائيلي الذي لم يتردد في مطالبتها بتخصيص جزء من أراضيها لإقامة دولة فلسطينية. ثالثًا، يبقى مواصلة التطبيع التدريجي، وفق شروط سعودية السيناريو الأكثر ترجيحًا، حيث يعتمد على تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي غير المعلن، مع إبقاء أي خطوات رسمية مرهونة بتحسين او تغيير في الأوضاع الفلسطينية كجزء من استراتيجية تفاوضية تمنح الرياض هامش مناورة أوسع.

خاتمة:

عودة ترامب إلى البيت الأبيض وإعلانه دعمه للتطهير العرقي والتهجير القسري للفلسطينيين يمثلان عاملًا حاسمًا يعيد تشكيل معادلات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، مما يفرض على الفلسطينيين استجابة استراتيجية تتجاوز ردود الفعل التكتيكية. فإسرائيل، مستفيدة من هذا الغطاء الأمريكي غير المشروط، تسعى إلى فرض وقائع جديدة تُكرّس مشروع التهجير وإلغاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية، ما يستدعي إعادة تقييم الأدوات السياسية والتنظيمية الفلسطينية لمواجهة هذا الواقع.

على المدى القصير، يصبح التوافق الفلسطيني ضرورة ملحة، خاصة في إدارة قطاع غزة بما يعزز الصمود ويُفشل المخططات الإسرائيلية. هذا التوافق يسهل على الدول الإقليمية، مثل مصر والأردن والسعودية، تقديم رؤية سياسية تحشد دعمًا عربيًا ودوليًا لمواجهة مشاريع التهجير. أما على المدى الموتسط، فإن إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وتجديد الشرعيات دون شروط مسبقة، كشرط الاعتراف بإسرائيل، يشكل خطوة استراتيجية لاستعادة الشرعية الوطنية، بما ينسجم مع الجهود العربية لإفشال مخططات التطهير العرقي وتعزيز صمود الفلسطينيين في وطنهم.