ليس بجديد أن قضية احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين تمثل جرحاً نازفاً للضمير الجمعي الفلسطيني، وبشكل خاص لمشاعر أهاليهم الذين يعيشون على قيد الأمل والانتظار، وكانت إحدى الأمهات وهي السيدة أزهار أبو سرور قد نزفت وجعها بصمت لأنها توقعت استيعاب القوائم لابنها وباقي الشهداء المعتقلين في مقابر الأرقام والثلاجات، وأن يتم ضمها في عمليات التبادل الجارية، وخاصة في الدفعة السادسة من المرحلة الأولى!.
الفرصة ما زالت سانحة لتحرير المعتقلين الشهداء من أجل إنهاء معاناة أهاليهم، ورد الكرامة للشهداء الأسرى المقدر عددهم بحوالى 665 شهيداً، فهؤلاء يستحقون من المقاومة فكّ قيودهم وتخليصهم وأهليهم من العقوبة الجماعية طويلة الأمد المرتكبة بحقهم، التي يعود بعضها إلى ما يقارب النصف قرن من سنوات القهر والعذاب في مقابر الأرقام والثلاجات، ودفنهم بالقرب من قلوب أمهاتهم وشعبهم وفق التقاليد الدينية والعادات الاجتماعية، ورد اعتبارهم إليهم بما يليق بنضالهم وتفانيهم وشجاعتهم في سبيل حرية الأرض والشعب.
كان على المقاومة أن تظهر هذه الصورة التاريخية لتحرير الأسرى الشهداء مقابل تحرير الأسرى الاسرائيليين وأن ترسل رسالة واضحة بهذا الخصوص، قيامها إظهار الفوارق الحضارية والتفوق القيمي والأخلاقي أمام الرأي العام العالمي، بين الاحتلال والشعب تحت الاحتلال، الفرق الواضح بين ما يمارسه الاحتلال من انتهاك وحشي بحق الأسرى دون اكتراث بالقوانين الدولية ذات الصلة، وبين الطريقة التي تعاملت بها المقاومة مع أسراها ومحافظتها على حياتهم ضمن ممكنات مستحيلة يشهد قطاع غرة فيها قصفا متواصلا لم يعرفه التاريخ، استخدم فيه جميع أنواع وأشكال الأسلحة التي عرفتها البشرية، ورؤية كيف تقاسم رجال المقاومة مع الأسرى المحتجزين الأكل الشحيح خلال حرب التجويع ومنع وصول الغذاء إلى جميع السكان دون تمييز، وقد قدَّم الأسرى الإسرائيليون المحتجزون في غزة شهادات واضحة بالتعامل الطيب معهم.
الصورة النقيضة المقدمة من قبل الاحتلال تشير إلى الهمجية التي تعامل بها الاحتلال مع الشهداء الأسرى، الإخفاء القسري في مقابر تحمل أرقامهم دون أسماء، في حال انطبق مسمى القبر على معنى القبر الفعلي المتعارف عليه. حيث تُنتهك كرامة من لا يملك الدفاع عن نفسه ويجرد من اسمه، بينما تنغرس فيها صفائح معدنية تحمل أرقاما متسلسلة وفق تصنيفات عنصرية وجغرافية تشير لوجودهم. الشهداء العرب واللاجئون وشهداء العمليات الفدائية والاستشهادية، وتصنيفات أخرى جهنمية تستوطن في عقول عنصرية متطرفة، تفتقت عنها اعتبارات وعقلية مسكونة بالتطهير العرقي والسيطرة على الشعب الفلسطيني.
من تبقى أحياء من أمهات وآباء شهداء الأرقام، يخشون على فلذاتهم من انكشاف العظام وانجرافها من مكانها، وهو ما تعرض له جثمان الأسيرة الشهيدة دلال المغربي، باعتراف الاحتلال عبر التقرير الصادر عن صحيفة «معاريف» العبرية وإقرارها بأن اسرائيل لم تتمكن من تسليم جثة الشهيدة دلال المغربي خلال عملية تبادل تمت مع «حزب الله» اللبناني، محيلة السبب إلى ما أطلقت عليه بتيارات تحت الأرض شبيهة بالرمال المتحركة قامت بسحب الجثة من مقابر الأرقام..!
تنفرد دولة الاحتلال بارتكابها الجرائم والانتهاكات على جميع الصعد، وتتفنن في إيقاع العقوبات الجماعية على الشعب في نطاق سياسة كي الوعي وتحقيق الردع الجماعي المنبعثة من روائح عنصرية كريهة، محكومة بإيقاع القصاص والانتقام من الفلسطيني، أكان حياً أو ميتاً، تأكيداً لتجردها من الإنسانية.
فدولة الاحتلال، البلد الوحيد الذي يعتقل أجساد الشهداء ويدفنهم في مقابر يُطلق عليها مسمى مقابر الأرقام التي يزيد عددها على خمس مقابر، تضم الرجال والنساء والأطفال، وهي مرشحة للتصاعد يوميا بناءً على سياسة القتل المرتبطة بهدف الخلاص من الفلسطينيين بالقدر الذي استطاعته آلات القتل.
ينطق أهالي المحتجزة جثامينهم بشهاداتهم وحكايات أبنائهم المعتقلة جثامينهم لدى الاحتلال، وما زال الكثير منها حبيسة الصدور، تشكل بالنسبة لهم ألغازاً بقدر ما هي ألغاز خاصة بالاحتلال، لكنها حكايات إنسانية تعينهم على الصبر، بينما الاحتلال يعجز عن تفسير أسباب حجز الجثامين الذي لا يمكن إيجاد أي تبرير له سوى في قاموس المصطلحات الفاشية والعنصرية.
الشهداء الأسرى يستحقون أن يرتاحوا في مقابر فلسطينية، وتقع المسؤولية على الجميع، لكن الفرصة أمام عمليات التبادل الحالية ماثلة ولا بد من انتهازها وإعطائهم الأولوية، فهؤلاء يستحقون منا الوفاء والإيثار وهم بانتظار أن تُحفر الأرض ليتمكنوا من استعادة أسمائهم ويكرَّمون بملصقات تبعث صورهم وألقابهم ونضالهم وتاريخهم، لأن لهم أهلاً لا ينامون وينتظرونهم، من أجل تدثيرهم بطبقات كثيفة من تراب نزفت دماؤهم من أجل تحريره، إيداعهم في تراب يألفونه ويألفهم، ونثر الكثير من الحب والشعر والورد عليهم.