مقدمة:  
مع اقتراب يوم الخميس، السابع والعشرين من فبراير 2025، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت المقاومة ستواصل تنفيذ عمليات الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين في ظل عدم التزام إسرائيل بالاتفاق وسعيها المستمر إلى إعادة التفاوض على ما تم الاتفاق عليه سابقًا. فبعد تراجعها عن تنفيذ "البروتوكول الإنساني" وامتناعها عن الإفراج عن الدفعة السابعة من الأسرى الفلسطينيين، يُثار التساؤل حول موقف المقاومة من تسليم جثث الأسرى الإسرائيليين الأربعة يوم الخميس، وتبعات كل ذلك على ما تبقى من مراحل اتفاق الهدنة. 

الاحتمال الغالب بالاجابة على هذا السؤال هو لا، الذي ينبغي أن يكون، أي عدم الافراج، بعيدًا عن أي ضجيج إعلامي. كما يجب أن يترافق مع تعديل جوهري في النهج التفاوضي، يقوم على مبدأ التزامن بدلاً من التتابع في تنفيذ الالتزامات، بحيث لا يتم تنفيذ أي إفراج إلا بمقابل واضح وملموس. إضافة إلى ذلك، ينبغي أن يتم تجزئة عمليات الإفراج إلى الحد الأدنى الممكن. تأتي هذه المقالة التحليلية لتوضيح هذا الموقف وهذه الحجة، وتتعدى الوصف إلى تقديم بدائل استراتيجية. 

المماطلة وكسب الوقت 
لا تقتصر سياسة المماطلة الإسرائيلية على التعطيل التفاوضي، بل تتجاوز ذلك إلى تحقيق أهداف سياسية داخلية وخارجية. فمن ناحية، يسعى بنيامين نتنياهو، كما أشرنا في مقال سابق، إلى إطالة أمد المرحلة الأولى من الاتفاق للحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي الهش، الذي يواجه تهديدات حتى من داخل حزبه "الليكود"، حيث يضغطون باتجاه التصعيد، بل ويهددون بإسقاط حكومته إذا تم الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق. لذلك، يعتمد نتنياهو على تأخير التنفيذ كأداة لضمان استقرار حكومته، وإلى تصعيد عدوانه على الضفة الغربية، في ظل التوترات السياسية الداخلية التي قد تعصف به. 

وفي المقابل، فإن إعادة التفاوض على الاتفاق وفق شروط جديدة تمثل هدفًا استراتيجيًا لإسرائيل، حيث تحاول استغلال عامل الوقت لفرض تعديلات تمنحها ما فشلت في تحقيقه عبر العدوان العسكري وحرب الإبادة، ما يجعل المماطلة ليست مجرد تكتيك تفاوضي، بل أداة سياسية بامتياز لإعادة هندسة المشهد التفاوضي بما يخدم أجندتها طويلة الأمد. 

الرد المطلوب: وقف تسليم الجثث دون ضجيج إعلامي 
في ظل هذه التطورات، يصبح الموقف الأكثر فاعلية للمقاومة هو وقف تسليم الجثث الأربعة يوم الخميس دون أي ضجيج إعلامي، وفرض ذلك كأمر واقع ميداني، مما يدفع إسرائيل إلى مواجهة خيارات متعددة تختلف في مدى تفضيلها لها. الخيار الأقل تفضيلًا (والاقل احتمالا في الأيام والاسابيع القادمة ولكنه احتمال كبير في المدى البعيد) بالنسبة لإسرائيل هو الإعلان الصريح عن تنصلها من الاتفاق، حيث إن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى أزمة داخلية، خصوصًا مع تصاعد الضغوط من عائلات الأسرى الإسرائيليين، وتراجع التأييد الشعبي لاستمرار الحرب بعد فشلها في تحقيق أهدافها المعلنة. هذا التراجع ليس بدافع أخلاقي، بل بسبب الإنهاك العسكري والسياسي الذي تعاني منه إسرائيل، مما يجعل التنصل الكامل من الاتفاق خطوة محفوفة بالمخاطر على المستوى الداخلي. 

أما الخيار الأكثر تفضيلا (الأكثر احتمالية في الأيام والاسابيع القادمة) بالنسبة لإسرائيل، فهو البحث عن مخرج يحفظ ماء وجهها، يدمج ما بين المراحل، دون تقديم تنازلات جوهرية لا يمكن التراجع عنها، ما يسمح لإسرائيل بإظهار نفسها كجهة مسيطرة على مسار الأحداث وقادرة على فرض شروطها، دون الحاجة إلى تنفيذ التزاماتها الفعلية بموجب الاتفاق. ومع ذلك، يظل الخيار الأكثر تفضيلًا والأكثر انسجامًا مع استراتيجية نتنياهو واليمين المتطرف (الأقل احتمالا في الأيام والاسابيع القادمة والأكثر احتمالا بعد الافراج عن الاسرى الاحياء)، هو الجمع بين تصعيد عسكري أكثر حدة، والتفاوض على صفقة شاملة تستعيد من خلالها الأسرى الأحياء مرة واحدة دون تقديم التزامات حقيقية، سواء فيما يتعلق بالانسحاب من القطاع أو بملف إعادة الإعمار. هذا السيناريو يتيح لإسرائيل إبقاء ظروف التهجير والتطهير العرقي قائمة، وتحقيق مكاسب سياسية داخلية، إلى جانب تعزيز موقفها التفاوضي، مع إبقاء الملفات الحساسة مثل الإعمار والهدنة أوراقًا تفاوضية يمكن توظيفها مستقبلاً بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. 

في هذا السياق، فإن أي استئناف للاتفاق أو المفاوضات يجب أن يكون مشروطًا بإنفاذ البروتوكول الإنساني أولًا، الذي لا يعد مجرد بند في الاتفاق، بل يمثل ركيزة أساسية لتعزيز صمود المواطنين الذين يواجهون كارثة إنسانية غير مسبوقة، خاصة، وكأولوية، ما تعلق بإدخال الآليات الثقيلة لإزالة الأنقاض والمعدات والأجهزة اللازمة للمستشفيات وتشغيل محطات المياه والكهرباء والكرافانات والخيم، فضلًا عن متطلبات العيش.

المخاوف هنا ليست بلا مبرر، إذ توصي مراكز الأبحاث والتفكير، إلى جانب تصريحات السياسيين والنخب الإسرائيلية، أن الاحتلال يجب عليه أن يوظف البروتوكول الإنساني ومتطلبات إعادة الإعمار كأداة ضغط لفرض أجندته السياسية وتحقيق أهداف عدوانه. 

بناءً على ذلك، فإن مواجهة هذه الاستراتيجية تتطلب مقاربة فلسطينية جديدة، يتم تبنيها ودعمها في القمة العربية القادمة في الرابع من مارس، والتي لا يمكن لها أن تتحقق دون توافق وطني حول برنامج حد أدنى لإدارة قطاع غزة، وإعادة ترتيب منظمة التحرير الفلسطينية بما يضمن مشاركة الفصائل الفاعلة دون اشتراطات مسبقة من هذا الطرف او ذاك، الكرة الآن ومنذ زمن في ملعبنا. 

تكتيكات التفاوض الإسرائيلية: ثلاثية المراوغة ومحاولة التحكم بالمسار 

إسرائيل في تعاملها مع هذا الملف تنطلق من مقاربة تفاوضية قائمة على ثلاث ركائز أساسية. 

أولًا، "إعطاء ما يمكن استرداده"، حيث تقدم إسرائيل تنازلات شكلية لا تمس جوهر مصالحها وقابلة للتراجع عنها لاحقًا، كما حدث في صفقة شاليط عام 2011، حين أعاد الاحتلال اعتقال عدد من الأسرى المحررين بعد الإفراج عنهم، مما يؤكد نهجها في تقديم المكاسب المؤقتة لإطالة أمد التفاوض دون التزام حقيقي. 

ثانيًا، "الحفاظ على اليد العليا"، إذ تتحكم إسرائيل بمسار التفاوض لضمان عدم تقديم أي تنازلات جوهرية إلا وفق شروطها، مستندة في ذلك إلى "نظرية السلام عبر القوة"، التي تقوم على الاعتقاد بأن العرب لا يأتون إلى السلام إلا عندما تكون إسرائيل قوية عسكريًا، مما يجعلها تصر على فرض شروطها والتحكم في كل مراحل الاتفاق. 

ثالثًا، تحقيق في السياسة ما عجزت عن تحقيقه في العدوان، حيث تستخدم إسرائيل المفاوضات كأداة لإعادة صياغة الاتفاقات بما يخدم استراتيجياتها طويلة الأمد، مستفيدة من تحالفها العضوي مع الإدارة الأمريكية ودول الغرب الاستعماري، التي تبنّت موقفًا داعمًا بالكامل للتيارات الصهيونية الأكثر تطرفًا، مما يتيح لإسرائيل مساحة أوسع لفرض شروطها في أي مفاوضات دون أن تواجه أي ضغوط حقيقية أو التزامات فعلية. 

التزامن مقابل التتابع في المفاوضات: 
في ظل هذه الاستراتيجية الإسرائيلية القديمة-الجديدة، يجب على المقاومة تجنب الوقوع في فخ تقديم "نوايا حسنة" أو بلغة التفاوض "تنازلات" دون مقابل. وظني، وإن كان بعض الظن إثمًا، أن المقاومة قد استعجلت أو أخطأت في حساباتها، عندما جمعت ما بين المرحلة السابعة والثامنة وأفرجت عن ستة أسرى، على أمل وفاء الاحتلال بوعوده التي قطعها للوسطا بتنفيذ البروتوكول الإنساني.  

لقد أثبتت التجارب السابقة أن إسرائيل تستغل أي تنازل أحادي لتعزيز موقفها التفاوضي والالتفاف على الاتفاقات. لذلك، يجب أن تتسم أي عمليات تبادل مستقبلية بالتزامن بدلاً من التتابع، وهو الأسلوب، أي التتابع، الذي منح إسرائيل اليد العليا وأن تكون لها الكلمة الأخيرة، ما يعني عدم الإفراج عن أي أسير إسرائيلي دون خطوة مقابلة من الاحتلال، لتفادي استخدام الاحتلال لهذه المراحل في كسب الوقت أو إعادة التفاوض بشروط جديدة. 

كما ينبغي أن تكون التبادلات مجزأة على دفعات أصغر بدلاً من صفقة شاملة لمرة واحدة، بحيث يتم الإفراج عن أسير إسرائيلي واحد فقط مقابل تنفيذ التزام محدد من قبل الاحتلال، مما يحدّ من قدرة إسرائيل على التلاعب بالمراحل اللاحقة ويفرض عليها تنفيذ التزاماتها تدريجيًا دون منحها فرصة للتراجع أو المماطلة في حال فقدت المقاومة ما تملكه من أوراق تفاوض .  

هل يلدغ المؤمن من جحره مرتين؟  
في ظل هذه الاستراتيجية الإسرائيلية القديمة-الجديدة، يجب على المقاومة تجنب الوقوع في فخ تقديم "نوايا حسنة" أو بلغة التفاوض "تنازلات" دون مقابل. وظني، وإن كان بعض الظن إثمًا، أن المقاومة قد استعجلت أو أخطأت في حساباتها، عندما جمعت ما بين المرحلة السابعة والثامنة وأفرجت عن ستة أسرى، على أمل وفاء الاحتلال بوعوده التي قطعها للوسطاء. لقد أثبتت التجارب السابقة أن إسرائيل تستغل أي تنازل أحادي لتعزيز موقفها التفاوضي والالتفاف على الاتفاقات. 

لذلك، فإن الخيار الأمثل للمقاومة يتمثل في التمسك بقاعدة "التزام يتزامن مع التزام"، على أن تكون بداية العودة للالتزام من الطرف الإسرائيلي، الذي أخل ونكث بما تم الاتفاق عليه. غير ذلك، نكون كفلسطينيين وكأننا لم نتعلم من تجاربنا التفاوضية السابقة مع الكيان الإسرائيلي، ونصر على أن نُلدغ من نفس الجحر مرتين… أو أكثر!