الحوار الوطني الفلسطيني: نقطة تحول نحو الوحدة

مرت الساحة الفلسطينية بعدد من المراحل المعقدة من التفاوض والحوار بين القوى السياسية الفلسطينية، وقد كانت هذه الحوارات عنصراً أساسياً في تعزيز أو إعاقة الوحدة الوطنية ،  منذ اتفاقيات أوسلو إلى الانقسام الفلسطيني، ومن محاولات المصالحة المتعددة إلى اتفاقات جديدة، يتضح أن القضية الفلسطينية لن تتحقق إلا من خلال مشروع وطني جامع يعبر عن جميع فصائل الشعب الفلسطيني.

في هذا السياق، يمثل اتفاق بكين نقطة تحول هامة في مسار الحوارات الفلسطينية ، الاتفاق، الذي وقع في العاصمة الصينية بين الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك حركتي فتح وحماس، يعكس التحولات التي طرأت على العلاقات بين هذه الفصائل في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية ، و رغم اختلافات الأيديولوجيات السياسية بين هذه الفصائل، إلا أن هذا الاتفاق يظهر إرادة حقيقية نحو بناء شراكة سياسية تستهدف مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق المصالحة الفلسطينية.

المشترك الوطني: أرضية للحوار والتوافق

على الرغم من التباينات الفكرية، تتفق جميع التيارات الفلسطينية على قضايا أساسية تشكل أساساً مشتركاً للعمل الوطني:
    •    منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وإصلاحها يعد ضرورة.
    •    رفض الاحتلال ومقاومته بكافة الأشكال.
    •    السعي لتحرير الأرض واستعادة الحقوق الوطنية.
    •    حماية الهوية الفلسطينية من التصفية السياسية والثقافية.
    •    رفض التطبيع والوصاية الخارجية.

إن الاحتلال يستهدف الجميع دون تمييز، وبالتالي أصبح توحيد الصفوف لمواجهته ضرورة حتمية لبقاء القضية الفلسطينية حية وفاعلة.

آليات بناء المشروع الوطني المقاوم

لتجاوز صراعات الماضي، يجب العمل على:
    1.    حوار وطني شامل بين التيارات المختلفة لوضع رؤية موحدة.
    2.    الاعتراف بالأخطاء السابقة وعدم تكرار تجارب الإقصاء أو التفرد بالقرار الوطني.
    3.    الاتفاق على قاعدة “الوحدة في الميدان”، بحيث يكون التحرير ومواجهة الاحتلال هي القاسم المشترك لجميع الفصائل.

توزيع الأدوار: كيف يساهم كل تيار في المشروع الوطني؟
    •    التيار الوطني: يركز على العمل الدبلوماسي والقانوني ويستمر في تنفيذ الاتفاقيات السابقة ويستفيد من علاقاته الدولية.
    •    التيار الإسلامي: يقود العمل المقاوم ميدانياً بحيث يكون متناسقا مع الجهود الجهود السياسية و التي تخدم فكرة التحرر و الاستقلال.
    •    التيار القومي: يستثمر علاقاته العربية لدعم القضية الفلسطينية.
    •    التيار اليساري: يقدم رؤية اجتماعية تقدمية تحمي الفقراء والمهمشين في المجتمع الفلسطيني.

الإعلام كساحة مواجهة: ضرورة توحيد الخطاب الفلسطيني

يُعد الإعلام اليوم ساحة معركة لا تقل أهمية عن الميدان، ومن الضروري:
    •    تنسيق الخطاب الإعلامي بين الفصائل لتوحيد الرسائل الموجهة للعالم.
    •    بناء منصات إعلامية فلسطينية قادرة على مواجهة الدعاية الإسرائيلية.
    •    الاستفادة من التأييد المتزايد للقضية الفلسطينية في الغرب عبر الحركات التضامنية الدولية.

الاستفادة من تجربة الثورة الجزائرية

تعد الثورة الجزائرية نموذجاً تاريخياً يمكن الاستفادة منه في الواقع الفلسطيني، حيث تمكن الجزائريون من توحيد كافة التيارات السياسية والفكرية في إطار جبهة التحرير الوطني التي قادت الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي ، ومن أبرز الدروس المستفادة:
    •    توحيد الفصائل تحت قيادة موحدة رغم التباينات الفكرية.
    •    المزاوجة بين المقاومة المسلحة والجهد السياسي والدبلوماسي.
    •    الاعتراف بالتعددية السياسية بعد التحرير لضمان مستقبل سياسي مستقر.

خطوات عملية لتنفيذ المشروع الوطني الموحد
    1.    تشكيل هيئة وطنية انتقالية تضم ممثلين عن الفصائل المختلفة لوضع الخطوط العريضة للمشروع الوطني المشترك.
    2.    إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بحيث تمثل جميع التيارات دون إقصاء.
    3.    إنهاء الانقسام الفلسطيني عبر اتفاق سياسي يستند إلى التحرير كقاسم مشترك.
    4.    إطلاق خطة إعلامية وطنية لمواجهة الدعاية الصهيونية وتوحيد الخطاب الفلسطيني دولياً.
    5.    تنظيم مؤتمرات دولية لدعم القضية والاستفادة من التأييد الشعبي العالمي لفلسطين.

دور التيارات الفلسطينية في الحوار الوطني
    •    التيار الإسلامي: خلال السنوات الماضية، برزت التيارات الإسلامية، مثل حماس والجهاد الإسلامي، في قيادة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال ، ورغم دورها البارز في مقاومة الاحتلال، فإن الانقسام الداخلي يشكل تحدياً لفرص توحيد الصف الفلسطيني.
    •    التيار القومي والوطني: كانت الفصائل القومية والوطنية، مثل حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، تلعب دوراً مهماً في بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والمساهمة في العمل السياسي والدبلوماسي ، إلا أن اتفاقات السلام مع إسرائيل مثل أوسلو و وجود حكومات اسرائيلية متطرفة لا تؤمن بالسلام ساهمت في تراجع دور هذه الفصائل.
    •    التيار اليساري: رغم تأثره بالانقسام والظروف السياسية الإقليمية، يظل التيار اليساري فلسطينياً في الدفاع عن الحلول الاجتماعية والسياسية الشاملة التي تضمن العدالة الاجتماعية للشعب الفلسطيني بعد التحرير.

اتفاق بكين: خطوة نحو الوحدة الوطنية الشاملة

يعد اتفاق بكين الذي تم توقيعه مؤخراً بين حركتي فتح وحماس والفصائل الفلسطينية الأخرى، نقطة تحوّل تاريخية في مسار الحوار الفلسطيني ، جاء الاتفاق في وقت حساس تتزايد فيه المخاوف من استمرار الانقسام الفلسطيني. ويهدف الاتفاق إلى القضاء على هذا الانقسام الذي دام أكثر من 17 عاماً ، أبرز ما يميز هذا الاتفاق هو التزام الفصائل الفلسطينية بالوحدة الوطنية، وتقاسم السلطة، وتوحيد الجهود العسكرية والسياسية في إطار واحد.

الاتفاق: فرصة لتعزيز الموقف الفلسطيني

يمثل اتفاق بكين فرصة حقيقية لتوحيد جهود الفصائل الفلسطينية على مختلف الأصعدة ، هذه الوحدة ليست مجرد خطوة داخلية، بل هي رسالة للعالم بأن الشعب الفلسطيني قادر على تجاوز خلافاته من أجل تحقيق هدفه المشترك: تحرير فلسطين ، في الوقت الذي تحاول فيه إسرائيل استغلال الانقسام الفلسطيني لفرض واقع جديد على الأرض من خلال حرب الابادة و التوسع الاستيطاني والعدوان العسكري المستمر، يشكل التنسيق المشترك بين الفصائل الفلسطينية عنصر قوة يحول دون تحقيق أهداف الاحتلال ويعزز موقف الفلسطينيين في المحافل الدولية.

رؤية جديدة للتعاون الوطني: من الحوارات إلى العمل المشترك

لتعزيز فاعلية هذه الاتفاقيات، من الضروري أن تتبع الفصائل الفلسطينية خطوات عملية منها:
    1.    توحيد الجهود الإعلامية: تنسيق إعلامي مشترك لنقل رسالة الوحدة الوطنية الفلسطينية.
    2.    إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير: يجب أن تمثل جميع الفصائل دون استثناء أو تهميش.
    3.    التركيز على المقاومة: يجب تعزيز هذا الخيار في كافة المجالات السياسية والعسكرية.
    4.    استثمار الحراك الدولي: يجب تعزيز التعاون مع حركات التضامن الدولية لدعم القضية الفلسطينية.

إن المستقبل الفلسطيني مرهون بقدرة الفلسطينيين على تعزيز الوحدة الوطنية، ومن هنا فإن اتفاق بكين يمثل بداية مرحلة جديدة من العمل المشترك بين الفصائل الفلسطينية ، إذا نجحت الفصائل في بناء مشروع فلسطيني موحد، فإن ذلك سيعطي زخماً كبيراً للقضية الفلسطينية ويُحسن وضع الفلسطينيين على الصعيدين الدولي والإقليمي.

الوحدة الوطنية الفلسطينية هي الخيار الوحيد الذي يضمن حماية الحقوق الفلسطينية، وتوحيد الجهود نحو هدف واحد: تحرير فلسطين.